اخبار صحفيةالمركز الاعلامى

حصان طروادة الجديد (الخطر الكامن فى دستور مصرالقادم ) تقييم مؤسسة ملتقى الحوار لاداء الجمعية التأسيسة لوضع الدستور

حمل الهتاف الاشهر أثناء ثورة 25 يناير ” الشعب يريد إسقاط النظام ” فضلا عن مطالب بعزل رئيس الدولة ومحاسبة الفاسدين في نظام الحكم ، مطلب اكثر الحاحا تمثل فى  اعادة بناء الدولة المصرية وفق الاصول الديمقراطية ، بما يحفظ كرامة المصريين و يصون حريتهم ويدعم آمالهم في بناء دولة القانون و المؤسسات وحماية حقوق الانسان، التي داوم النظام السابق علي انتهاكها ، و من ثم كان مطلب اعداد دستور جديد للبلاد من أهم استحقاقات مطالب المرحلة الانتقالية باعتباره تدشينا لمرحلة جديدة من عمر البلاد ، أو ما أصطلح علي تسميته بالجمهورية الثانية ، و كانت الامال معقودة – ومازالت – علي دستور يحمي مدنية الدولة ويرسخ لبناء مؤسسات ديمقراطية فاعلة ، ذلك أن النظام القانونى المصري يرتكز شأنه فى ذلك شأن العديد من الأنظمة القانونية الوطنية للعديد من دول العالم، على الدستور باعتباره القانون الأعلى والأسمى والذى يحدد هيكل الدولة ونظام الحكم فيها والسلطات العامة واختصاصاتها وحقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية والضمانات الدستورية لهذه الحقوق وتلك الحريات، وهو بذلك يعتبر القانون الأم والوثيقة الأساسية التى يلتزم بها ويعمل على أساسها ويحرص على الحفاظ عليها والالتزام بها من قبل كافة السلطات فى الدولة، التشريعية والقضائية والتنفيذية

حيث تتبلور الوظيفة الأساسية للدولة المدنية فى الحفاظ على كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن الدين أو الجنس أو الفكر ، وهى تتضمن حقوق وحريات جميع المواطنين ، التى تنهض على أساس من الديمقراطية فى المساواة بين أفراد المجتمع فى الحقوق والواجبات

وقد صيغ مفهوم الدولة المدنية فى مواجهة الدولة الثيوقراطية، التى تشمل حكم رجال الدين أو تحكيم الدين نفسه ، فالدولة المدنية هى تلك التى تقوم على أساس مدنى ( الدستور ) الذى يحدد المقومات والمبادئ الأساسية للدولة وعلاقاتها بالمواطنين

ويمثل الدستور مجموعة القواعد التي تنظم تأسيس السلطة وانتقالها وممارستها أي تلك المتعلقة بالتنظيم السياسي، ويعرف كذلك بأنه القانون الأساسي للدولة الذي يحدد الهيكل العام للدولة وينظم قواعد الحكم ويوزع السلطات ويبين اختصاصات كل منها ويضع الضمانات الأساسية لحقوق الأفراد ويبين حقوقهم وواجباتهم ومدى سلطان الدولة عليهم، ومن هنا فقد اتفق معظم الفقهاء على أن الدستور هو القانون الأسمى للدولة وهو بالتالي أعلى من كل الهيئات وأي قانون يخالفه فهو باطل.

مثلما تم وضع أول دستور للبلاد عام 1923 و الذي جاء بعد نجاح ثورة 1919 ، و الاعتراف باستقلال مصر، حيث تشكلت لجنة من ثلاثين شخصية عامة اقترحها رئيس وزراء مصر – آنذاك –  عبد الخالق ثروت وقبلها الملك فؤاد الأول و بالرغم من أن هذه اللجنة ضمت في عضويتها ممثلين عن كافة أطياف الشعب المصري ، طبقا للقاعدة المتبعة أن الدستور يعد وفقا لتوافق وطني واسع ، فقد أطلق الزعيم سعد زغلول على تلك اللجنة التى وضعت الدستور ( لجنة الأشقياء ) ، ذلك أن لجنة وضع الدستور ينبغي ان تكون منتخبة من قبل الشعب و ليست معينة ، وعلى الرغم من ذلك يعد دستور 1923 احد أفضل الدساتير المصرية.

أما دستور 1930 فقد صدر اثر خلاف بين القوى الوطنية والملك فؤاد تحت زعم من الملك بان دستور 1923 يعتبر صورة شديد التقدم فى مجال الحريات والديمقراطية لا يتناسب مع ما تمر به البلاد ولم يحقق الهدف من ورائه وعقب قيام ثورة 23 يوليو 1952 اصدر اللواء محمد نجيب الإعلان الدستورى فى 10 فبراير1953 ثم أعقبه فى فترة قصيرة دستور 1956 وعقب الوحدة بين مصر وسوريا صدر الإعلان الدستورى المؤقت عام 1958 لكن انهيار الوحدة أدى الى إصدار الرئيس جمال عبد الناصر لدستور 1964 المؤقت الى حين انتهاء مجلس الأمة من وضع دستور جديد دائم لمصر يستفتى عليه الشعب وهو الآمر الذى لم يتحقق إلا مع دستور 1971 .و قد سقط هذا الاخير باصدا ر المجلس الاعلي للقوات المسلحة – و بعد أن أجري تعديلات علي بعض مواد دستور 71 و أستفتي الشعب عليها في 19 مارس 2011 – اعلانا دستوريا بالارادة المنفردة في 30 مارس 2011 تضمن آليات اعداد الدستور .

 الجمعية التأسيسية والدستور الجديد

نصت المادة 60 من الاعلان الدستوري علي أن ” يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسى شعب وشورى فى اجتماع مشترك ، بدعوة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، خلال ستة أشهر من انتخابهم ، لإنتخاب جمعية تأسيسية من مائة عضو ، تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد فى موعد غايته ستة أشهر من تاريخ تشكيلها، ويُعرض المشروع ، خلال خمسة عشر يوماً من إعداده ، على الشعب لاستفتائه فى شأنه ، ويعمل بالدستور من تاريخ إعلان موافقة الشعب عليه فى الاستفتاء ” .

و بالرغم من الاشكاليات العديدة التي صاحبت هذا النص و التي أنتجت العديد من التفسيرات القانونية المتباينة و الطعن علي اللجنة التأسيسية و اعادة تشكيلها مرة أخري وسط  رفض و استياء العديد من القوي و التيارات السياسية نتيجة هيمنة التيارات الاسلامية علي تشكيل اللجنة و من ثم فرض هيمنتها كنتيجة مباشرة للأغلبية التي تحوزها داخل لجنة وضع الدستور ، في وضع و تمرير دستور جديد للبلاد ، وذلك بالمخالفة لكافة الاعراف الدولية في هذا الشأن و التي تقضي بأن يكون الدستور بتوافق الامة و اجماعها ، و ليس طبقا لارادة فيصل سياسي معين يحوز أغلبية في اللحظة الراهنة ، الامر الذي تطور من جانب تلك القوي و الاحزاب الي الانسحاب من تأسيسية الدستور ، تبعهم العديد من الشخصيات العامة التي وقع عليها الاختيار ،كما تم أيضا الطعن مرة أخري علي تشكيل تلك الجمعية و مازالت الدعوي منظورة أمام القضاء .

علي أن الاهم هو المسار الذي تجري فيه اعداد مواد الدستور الجديد وفقا لأغلبية تحوزها التيارات الدينية داخل اللجنة التأسيسية ، حيث بدا الامر وأنه نقاش حول هوية الدولة – وهو ما تجاوزته الامه المصرية منذ صدور دستور 23 – ذلك ان المنظومة التي ينتهجها الاسلاميين في اعداد مواد الدستور الجديد – لا سيما الممثلين للتيار السلفي – تبدو و كأنهم يريدون دستورا يمثل اطار عمل مستقبلي للتيارات الدينية و ليس دستورا يحمي مدنية الدولة و يصون حقوق الافراد و حرياتهم و يحد من تغول السلطة ، مثلما كان الحال في دستور 71 .

فالمتتبع لنقاشات اللجنة التأسيسية يدرك من السهولة بمكان محاولة صبغ مواد الدستور بصبغة دينية ، الامر الذي يضع مدنية الدولة علي المحك و يعيد النقاش ابتداءا حول كثير من الاشكاليات التي تجاوزها العقل الجمعي للأمة المصرية ، ذلك أن منهج العمل في اللجنة بمحاولة تضمين الدستور كثير من المواد التجريمية ، أولا ينزع عن الدستور اهم صفاته كونه الوثيقة الاهم في حماية الحقوق و الحريات العامة و الخاصة أيضا ، ثانيا يجعل الدستور في صورة أقرب الي قانون العقوبات بتضمينه الكثير من النصوص التجريمية .

هذا فضلا عن النقاشات الواسعة التي طالت المادة الثانية من الدستور ، و الضجة شديدة الصخب حول ” مبادئ أم أحكام ” و كان لسطوة النقاشات و حدتها أن اتفق الجميع علي بقاء نص المادة الثانية – و كأنها من الثوابت الوطنية –  مع اضافة عبارة ” و الازهر الشريف هو المرجعية النهائية في تفسيرها ” ، فإذا وضعنا هذه الاضافة مع التعديل الذي طرأ علي المادة الاولي ، عن نظيرتها في دستور 71 بإضافة ونظامها ديمقراطى يعتمد على مبادئ الشورى و استحداث مادة جديدة تنص علي أن الذات الإلهية مصونة و يحظر المساس أو التعريض بها، وكذا ذوات أنبياء الله ورسله جميعاً، وكذلك أمهات المؤمنين، والخلفاء الراشدون ، و رفع الحظر في المادة الخامسة الوارد علي قيام أحزاب علي اساس ديني و الحظر فقط علي أساس التفرقة بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو الدين ، هذه التعديلات جميعها قد أنتهت اللجنة فعلا من اعدادها تمهيدا الي  ارسالها الي لجنة الصياغة ، فإذا أضفنا الي ذلك المناقشات التي دارت حول المادة 46 و المتعلقة بحرية العقيدة و قصرها علي الديانات السماوية فقط ، نكون امام محاولة واضحة للانقضاض علي مدنية الدولة ، ذلك ان التعديلات التي وردت في هذا الاطار في البابين الاول و الثاني من الدستور تمثل انتهاكا فاضحا لمقومات الدولة المدنية  وذلك علي النحو الاتي :

أولا :

اضافة مبادئ الشوري الي النظام الديمقرطي ، وكأننا ننتج ديمقراطية جديدة باضافة مبادئ الشوري لها ، فالديمقراطية – كما هو معلوم للكافة – تقوم علي التعددية و التداول السلمي للسلطة و ليس علي مبادئ الشوري ، طبعا هناك عداء قديم بين التيارات الدينية و الديمقراطية الغربية كما يطلقون عليها ، بل حتي وقت قريب يعتبرها بعض رموز التيارات الدينية ” رأس الكفر ”  و من ثم وضع مبادئ الشوري كمرجع في  الديمقراطية  من شأنه ان يجعل لنا ديمقراطية اسلامية خاصة بنا بعيدا عن ديمقراطية الغرب ،هذا  اذا جاز التعبير .

ثانيا :

النقاش شديد الوطأة حول المادة الثانية و اصرار بعض اعضاء اللجنة علي اضافة ” أحكام الشريعة ” بدلا من “مبادئ الشريعة ” يضعنا امام نقاش فقهي و ليس دستوري ، حول وجوب تطبيق الشريعة و ليس حول دستور يمثل الامة و يحدد شكل الدولة و حدود السلطات العامة فيها و حقوق الافراد علي اختلاف دياناتهم ، ذلك ان  جوهر الدستور هو المواطنة و تلك المواطنة هى العمود الفقرى والأساس الدستورى لكافة الحقوق والحريات فى الدولة ومن ثم تصبح حقوق المواطنة هى أساس جميع الحقوق السياسية والمدنية والإقتصادية والإجتماعية التى ينص عليها الدستور والقانون ويكون شيوع ثقافة المواطنة ، تأكيد لثقافة الديمقراطية وتأكيد الحقوق المتساوية لكل المواطنين .

و قد انتهي النقاش الي الابقاء علي النص كما هو مع اضافة ” و الازهر الشريف هو المرجعية النهائية في تفسيرها ” و اضافة نص جديد للأزهر الشريف ذاته بالنص علي أن الأزهر الشريف هيئة إسلامية مستقلة، مقرها القاهرة، ومجالها العالم الإسلامى، والعالم كله، تختص بالقيام على جميع شؤونها، وتكفل الدولة الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضها

ويكون رأى هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف المرجعية النهائية للدولة فى جميع الشؤون المتعلقة بالشريعة الإسلامية، طبقاً لمذاهب أهل السنة والجماعة، ويكفل القانون ذلك. و استحداث مادة أخري تنص علي أن الذات الإلهية مصونة ويحظر المساس أو التعريض بها، وكذا ذوات أنبياء الله ورسله جميعاً، وكذلك أمهات المؤمنين، والخلفاء الراشدون

ألا يعد النص هنا تدخلا في الشأن العام للمصريين من جانب مؤسسة دينية اسلامية ، ما علاقة دستور له مهام تتعلق بشكل الدولة و حقوق الافراد وواجبات السلطات العامة ، بمؤسسة الازهر الشريف الشريف كمرجع عند الاختلاف في النصوص التشريعية ، أو بالاحري هنا الشرعية و ما علاقة الدستور بالعيب في الذات الالهية او الانبياء و الرسل و امهات المؤمنين و الخلفاء الراشودن ، الا يعد هذا صبغا للمجتمع بالصبغة الدينية ، و تدشين الدين باعتباره هو المرجع و ليس الدستور ،ألا يتذكر هؤلاء و غيرهم من أعضاء اللجنة التأسيسية ، كم عاني المفكرون و المبدوعون و الكتاب من تدخل مجمع البحوث الاسلامية في شئون الفكر و الابداع وكم رفع توصيات بمصادرة العديد من الاعمال الفكرية و الابداعية علي خلفية مخالفة الشريعة ، الم يقتل و يجرح  ويحاكم مفكرون و مبدعون بسبب دعاوي كهذه تقوم علي قراءة أحادية للنصوص و ترفض حرية الفكر و الابداع ، ثم نأتي لنجعل الازهر – كمؤسسة دينية لها كل التقدير و الاحترام – مرجعا في كافة شئون الدولة و ليس الشئون الدينية فقط .

ثالثا :

التعديل الذي طال المادة الخامسة و المتعلقة بانشاء الاحزاب ، و بعد أن كان النص في دستور71  يعطي المواطنين حق تكوين الأحزاب السياسية مع حظر  مباشرة أى نشاط سياسى أو قيام أحزاب سياسية على أى مرجعية دينية أو أساس دينى، أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل  ، جاء التعديل للأسوء برفع الحظر هنا عن قيام أحزاب علي أساس ديني و الابقاء فقط علي منع قيام الاحزاب علي اساس التفرقة بين المواطنين بسب الجنس أو الاصل أو الدين ، و يبدو الامر بديهي حيث كانت هناك طفرة في الاحزاب ذات المرجعية الدينية بعد ثورة 25 يناير ، و تخشي هذه الاخيرة بعد اقرار دستور جديد ان يكون وجودها نفسه محل تهديد لمخالفتها الاسس الدستورية في منع قيام الاحزاب علي أساس ديني ، و من ثم عمد التعديل الي رفع هذا الحظر للمحافظة علي بقاء تلك الاحزاب ،

ويؤكد سعيد عبدالحافظ رئيس ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الانسان  ان الامر يبدو واضحا منذ المحاولات الاولي لسيطرة الاسلاميين علي اللجنة التأسيسية للدستور انهم يهدفون الي تقوية وجودهم في المجتمع و سحب هذا الاخير نحو رؤاهم و قضاياهم بعيدا عن المصلحة الوطنية ، منذ تدجين الاستفتاء علي التعديلات الدستورية في مارس 2011 و الزج بالمادة الثانية من الدستور علي خلاف الحقيقة و العزف علي المشاعر الدينية لدي البسطاء من المواطنين ، الي محاولة صياغة دستور يجعلهم اولي الامر في البلاد و يأطر الوجود القانوني لهم ضد أية محاولات للنيل منهم مستقبلا ، وفرض صياغات دينية تغلف المجتمع كله و من ثم يكون الخلاف ليس حول اسس و مقومات الدولة المدنية في مصر وحدود السلطات العامة و تأصيل الحريات الفردية ، و انما حول وجوب تطبيق الشريعة و السياحة الاسلامية و حرية ضباط الشرطة فى اطلاق  لحاهم  و ختان الاناث …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى